الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
12
تفسير كتاب الله العزيز
داود . فلم يلبث إلّا قليلا حتّى بعثه عامله بريدا إلى داود . وأتى داود بكتبه . ثمّ انطلق إلى أهله ، فأخبر أنّ نبيّ اللّه داود أتى إلى بابه فسأل عنه وعن أهله . فلم يصل الرجل إلى أهله حتّى رجع إلى داود ، مخافة أن يكون حدث في أهله من اللّه أمر . فأتى داود وقد فرغ من كتبه ، وكتب إلى عامل ذلك الجند أن يجعله على مقدّمة القوم . فأراد أن يقتل الرجل شهيدا ويتزوّج امرأته حلالا . إلّا أنّ النية كانت مدخولة . فجعله على مقدّمة القوم فقتل الرجل شهيدا . قال : فبينما داود في محرابه والحرس حوله إذ تسوّر عليه المحراب ملكان في صورة آدميّين ففزع ، فقالا : ( لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا ) أي : وأرشدنا ( إِلى سَواءِ الصِّراطِ ) أي : إلى قصد الطريق . قال : قصّا قضيّتكما . فقال أحدهما : ( إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها ) أي : ضمّها إليّ ( وعزّني في الخطاب ) أي : وقهرني في الخصومة ( قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ . . . ) إلى قوله : ( وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ ) أي وعلم داود أنّما ابتليناه ( فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً ) أي ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه إلّا للصلاة المكتوبة يقيمها ، أو لحاجة لا بدّ منها ، أو لطعام يتبلّغ به . فأتاه ملك من عند اللّه فقال : يا داود ، ارفع رأسك فقد غفر اللّه لك . فعلم أنّ اللّه قد غفر له . ثمّ أراد أن يعرف كيف غفر اللّه مثل ذلك الذنب ، فقال : يا ربّ ، كيف تغفر لي وقد قتلته ، يعني بالنية . فقال له ربّه : أستوهبه نفسه فيهبها لي فأغفرها لك . فقال : أي ربّ ، قد علمت أنّك قد غفرت لي . قال اللّه : فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى : أي لقربى في المنزلة وَحُسْنَ مَآبٍ ( 25 ) : أي حسن مرجع . قال الكلبيّ : إنّ داود قال : ربّ اتّخذت إبراهيم خليلا ، وكلّمت موسى تكليما ، فوددت أنّك أعطيتني من ذلك ما أعطيتهم . قال اللّه : إنّي ابتليتهما بما لم أبتلك به . قال : فإن شئت أبتليك بما ابتليتهما وأعطيك مثل ما أعطيتهما . قال : ربّ ، نعم . قال : اعمل عملك حتّى يتبيّن بلاؤك . فمكث ما شاء اللّه بذلك ؛ يصوم النهار ويقوم الليل . فكان على ذلك . فبينما هو في المحراب ذات يوم ، والزبور بين يديه ، إذ جاء طائر فوقع قريبا منه . فتناوله داود ، فطار إلى الكوى ، فقام ليأخذه ، قال بعضهم : فوقع في مضجعه فقام ليأخذه ، فوقع الطير إلى البستان ، فأشرف داود فنظر ، فإذا هو بامرأة تغتسل في البستان . فعجب من حسنها . فأبصرت